بقلم كيافاش كالهور ومهدي نكصفات مطلق، يحاجج هذا المقال بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في ولايته الثانية، تقترب مجددًا من قرار عسكري بالغ الخطورة تجاه إيران، نتيجة سوء فهم عميق لطبيعة الدولة الإيرانية وتعقيداتها الجيوسياسية والهوياتية. ويرى الكاتبان أن إغراء القصف الجوي الواسع، الذي يلوح في أذهان بعض دوائر صنع القرار في واشنطن، يعكس ثقة مفرطة غذّتها تجارب تدخل حديثة، ويقود إلى حسابات خاطئة قد تجرّ المنطقة إلى كارثة طويلة الأمد.
يضع المقال إطارًا تحليليًا ينطلق من ميدل إيست مونيتور، ليؤكد أن إيران لا تشبه ليبيا ولا العراق ولا فنزويلا، وأن إسقاط نماذج تدخل سابقة عليها يفتح مسارًا مظلمًا لمستقبل الشرق الأوسط، لأن إيران كيان حضاري متجذّر لا يُختزل في نظام حكم قابل للكسر السريع.
قومية راسخة وهوية حضارية
يشرح المقال أن إيران وريثة إمبراطورية تاريخية، وتفهم ذاتها بوصفها “دولة حضارية” أكثر من كونها دولة قومية حديثة بالمعنى التقليدي. هذا الإرث، مقرونًا بذاكرة جمعية مثقلة بتجارب الغزو والتدخل الأجنبي، يجعل المجتمع الإيراني يميل إلى الالتفاف حول العلم الوطني في أوقات الأزمات. ويشير الكاتبان إلى أن أي هجوم خارجي يعيد تعريف الهوية الوطنية على قاعدة الدفاع عن السيادة، ما يقلّص فرص تفكك الداخل. يستشهد المقال بتحليلات غربية ترى أن القصف لا يضعف الاحتجاجات، بل يخمدها عبر توحيد المجتمع في مواجهة تهديد خارجي، ويجعل أي قيادة تُفرض من الخارج بلا شرعية شعبية.
صلابة مؤسسية وجغرافيا معقّدة
ينتقل المقال إلى تفكيك البنية المؤسسية للجمهورية الإسلامية، ويقارنها بدول تدخّل فيها الجيش الأميركي سابقًا. يوضح أن إيران لا تتمحور حول شخص واحد أو مؤسسة منفردة، بل تقوم على شبكة مؤسسات متداخلة طوّرت قدرتها على الاستمرار في ظل العقوبات والضغوط الأمنية. هذه البنية تقلّل من احتمالات الانهيار المتسلسل تحت الضربات العسكرية المحدودة. ويعزّز الكاتبان هذا الطرح بالإشارة إلى سرعة ملء الفراغات القيادية بعد استهدافات سابقة، بما يؤكد قدرة النظام على امتصاص الصدمات.
ويضيف المقال بُعد الجغرافيا، حيث تمتد إيران على مساحة شاسعة بتضاريس متنوعة، وتتحكم بمضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة العالمية. كما تحمي سلاسل جبلية وعرة منشآت عسكرية عميقة وبنية صاروخية تحت الأرض، ما يصعّب تحقيق أهداف حاسمة عبر القصف الجوي، ويرفع كلفة أي مغامرة عسكرية.
غياب الرؤية ومخاطر ما بعد الضربة
يركّز المقال على ما يراه الخلل الأخطر: غياب رؤية سياسية وخطة خروج واضحة في واشنطن. يستعيد تجارب العراق وأفغانستان وليبيا، حيث بدأت التدخلات بأهداف معلنة، ثم انزلقت إلى مستنقعات مكلفة. ويتساءل: إذا كانت تلك الحروب ذات الأهداف الواضحة انتهت إلى فوضى، فما مصير تدخل لا يملك تصورًا لليوم التالي؟
يحذّر الكاتبان من أن الضغوط الوجودية على دولة حضارية لا تقود إلى الاستسلام، بل إلى مزيد من العسكرة والتشدد. ويشير المقال إلى احتمال أن يدفع الهجوم الخارجي إيران نحو صعود قيادات أكثر تشددًا، وربما هيمنة عسكرية أوسع، ما يخلق خصمًا أكثر صلابة وعداءً للمصالح الأميركية لعقود. ويستشهد بتحليلات ترى أن إسقاط القيادة العليا لا يضمن نظامًا أكثر توافقًا مع واشنطن، بل قد يفتح الباب أمام فوضى داخلية أو ديكتاتورية عسكرية.
يخلص المقال إلى أن الرهان على القصف بوصفه حلًا سحريًا يعكس فقرًا في الخيال الاستراتيجي الأميركي. إيران، بقوميتها المتجذّرة، ومؤسساتها المتماسكة، وجغرافيتها القاسية، لا تنهار بضربات جوية. على العكس، يوحّد الهجوم المجتمع ضد عدو خارجي ويحوّل الدولة إلى خصم أكثر عسكرة. ويحذّر الكاتبان من أن خوض حرب بلا أفق سياسي ولا خطة خروج لا يمثّل مقامرة فحسب، بل انزلاقًا مضمونًا إلى مستنقع إقليمي طويل الأمد، يعيد إنتاج الفشل بصور أكثر كلفة وخطورة.
https://www.middleeastmonitor.com/20260223-the-day-after-the-bombs-the-strategic-void-of-us-intervention-in-iran/

